ولادة النور المحمدي ﷺ: يومٌ أشرقت فيه الأرض والسماء
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
في رحاب المولد الشريف، تعجز الكلمات عن الإحاطة بعظمة المناسبة؛ فليس مولد رسول الله محمد ﷺ حادثةً من حوادث التاريخ، ولا ولادةَ رجلٍ عظيمٍ فحسب، وإنما هو ميلادُ الرسالة التي أخرجت الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور التوحيد، وميلادُ الرحمة التي أرادها الله تعالى للعالمين.
لقد شاءت العناية الإلهية أن يشرق نور محمد ﷺ في مكة المكرمة، في بيئةٍ كانت تعيش صراعات الجاهلية، وتتنازعها العصبية والوثنية والظلم، ليأتي النبي الخاتم برسالة السماء، حاملاً راية التوحيد والعدل والكرامة الإنسانية.
محمد ﷺ قبل أن يكون رسولاً
إن عظمة النبي الأكرم ﷺ لا تبدأ من يوم البعثة، فقد اختاره الله تعالى وهيّأه لحمل أعظم أمانة في الوجود.
نشأ محمد ﷺ طاهراً عفيفاً، معروفاً بين قومه بالصدق والأمانة، حتى صار يُلقَّب قبل البعثة بـ الصادق الأمين. ولم تكن هذه الصفات أمراً عارضاً في حياته، بل كانت تعبيراً عن الطهارة التي اصطفاه الله بها.
وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا يُنظر إلى النبي ﷺ على أنه مجرد مبلّغٍ للرسالة، بل هو الإنسان الكامل، والحجة الإلهية، والأسوة التي أراد الله للناس أن يقتدوا بها.
قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فمحمد ﷺ هو القدوة في عبادته، وفي أخلاقه، وفي رحمته، وفي عدله، وفي صبره، وفي جهاده، وفي تعامله مع الضعفاء والمساكين، وفي رحمته حتى بمن خالفه وآذاه.
ولادة رسول الله ﷺ ولادةُ أملٍ للإنسان
حين نحتفل بمولد النبي ﷺ، لا ينبغي أن يكون احتفالنا مجرد مظاهر وفرح عابر، وإنما ينبغي أن نسأل أنفسنا:
ماذا يعني محمد ﷺ في حياتنا؟
هل محمد ﷺ اسمٌ نردده، أم منهجٌ نعيش به؟
هل محبته مجرد عاطفة، أم أنها طاعةٌ واقتداء؟
إن الاحتفال الحقيقي بالمولد النبوي هو أن يولد فينا شيءٌ من أخلاق محمد ﷺ؛ أن يولد الصدق في كلماتنا، والأمانة في معاملاتنا، والرحمة في قلوبنا، والعدل في مواقفنا، والتواضع في سلوكنا.
فمن أحب رسول الله ﷺ حقاً، أحب ما جاء به، وأحب أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
محمد وآل محمد عليهم السلام
ومن أجمل ما يميز الرؤية المحمدية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن النور المحمدي لا يُفصل عن الامتداد الذي اختاره الله تعالى لرسول الله ﷺ.
فالنبي ﷺ هو الذي أوصى الأمة بأهل بيته، وجعلهم طريقاً للهداية، ومصابيح للناس بعده.
قال رسول الله ﷺ:
«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا».
ومن هنا، فإن الحديث عن المولد الشريف في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو حديثٌ عن محمد ﷺ وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام وعن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وعن الأئمة من ذريتهما عليهم السلام؛ عن ذلك البيت الذي جعله الله امتداداً للنور المحمدي والهداية الإلهية.
لقد كان رسول الله ﷺ أباً روحياً للأمة، وكان أهل بيته عليهم السلام امتداداً لمدرسته، وحفظةً لسنته، وحملةً لعلومه، وأدلاءَ على نهجه.
الرحمة المحمدية
ومن أعظم ما نحتاج إلى استحضاره في زماننا هو خُلُق الرحمة.
لقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بقوله:
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
لم تكن رحمته ﷺ شعاراً، بل كانت حياةً كاملة.
كان يواسي الفقير، ويرحم اليتيم، ويعطف على الضعيف، ويقضي حاجة المحتاج، ويغرس في الأمة معنى الأخوة والتكافل.
واليوم، ونحن نحيي مولده الشريف، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الرحمة في بيوتنا ومجتمعاتنا؛ فلا قيمة لمجلسٍ يُذكر فيه النبي ﷺ إذا خرجنا منه ونحن أشد قسوةً على الناس، ولا معنى لمدح رسول الرحمة إذا غابت الرحمة عن سلوكنا.
المولد الشريف ومسؤوليتنا
إن أعظم تكريم للنبي ﷺ ليس في كثرة الكلمات التي نقولها، بل في مقدار ما نقترب من سيرته.
فلنجعل من المولد النبوي عهداً جديداً:
أن نصدق كما كان الصادق الأمين.
أن نعفو حين تكون القدرة لنا.
أن نحفظ حقوق الناس.
أن نكرم آباءنا وأمهاتنا.
أن نربي أبناءنا على محبة الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام.
أن نجعل الصلاة على محمد وآل محمد حاضرةً في ألسنتنا وقلوبنا.
وأن نقرأ سيرته ﷺ لا بوصفها تاريخاً مضى، بل بوصفها منهجاً صالحاً لكل زمان.
سلامٌ على يوم وُلد فيه محمد ﷺ
سلامٌ على مكة يوم أشرقت بنور المصطفى.
سلامٌ على آمنة بنت وهب، أمِّ النبي الطاهرة.
سلامٌ على عبد الله بن عبد المطلب، والد النبي الكريم.
سلامٌ على محمد يوم ولد، ويوم بعث، ويوم أتمّ الله به الحجة على خلقه، ويوم ارتحل إلى الرفيق الأعلى.
وسلامٌ على أهل بيته الطاهرين، الذين حفظوا عهده، وصانوا رسالته، وحملوا راية الهداية من بعده.
وفي ذكرى مولده الشريف، نرفع قلوبنا إلى الله تعالى ونقول:
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم اجعلنا من المتمسكين بكتابك، المقتدين بنبيك، الموالين لأهل بيت نبيك عليهم السلام، السائرين على نهجهم، الثابتين على ولايتهم، وارزقنا شفاعة محمد وآل محمد يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وكل عامٍ وأنتم بخير، بمناسبة مولد سيد الخلق والمرسلين، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد المصطفى ﷺ، ومولد حفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجّل فرجهم، وثبّتنا على ولايتهم.